عطاء الطف مدرسة الحياة الخالدة

الشيخ حسين البلادي
Latest posts by الشيخ حسين البلادي (see all)
اضغط هنا لتستمع للمقال

المقدمة

المتتبع إلى الأديان السماوية ورأي غير المسلمين في ثورة خلدها التاريخ ولا يمكن طمسها يجد التاريخ عاجزاً عن وصفها ، لأنها هي أساس التعايش السلمي بين الشعوب والأمم ، ولا يمكن لأي دين او شريعة الأستغناء عن ثورة الطف فقد جمعت كل ما وجد في الكتب السماوية من محبة ومودة ونصرة للمظلومين والمضطهدين في الأرض .

والكلام يقع في ثلاثة محاور :-

المحور الأول : الأمام الحسين في مصادر غير الشيعة.

المحور الثاني : الأمام الحسين ثورة سياسية .

المحور الثالث : الأمام الحسين مثال التضحية والخلود.

نبدأ في المحاور الثلاثة على بركة الله …

المحور الأول : الأمام الحسين في مصادر غير الشيعة.

يتصور البعض من المحسوبين على ملاك الأسلام أن الأمام الحسين (ع) فقط للشيعة بالخصوص والمسلمين بالعموم ، وتوهم البعض أن الحسين (ع) كانت ثورته غير شرعية كما يدعون ، ولكنهم وقعوا في اشكال كبير حيث انهم قرأوا ثورته قراءة سلبية ناتج عن حقد توارثوه كابراً عن كابر .

وإذا استقرأنا التاريخ وما فيه نجد أن هذه الثورة قرأت قراءة دقيقة جداً لأنه هذه الثورة هي مصدر الوجود .

فلنأتي الى هذه القراءات نقف على بعضها ونتأمل فيها:

 

  • يقول السيوطي في كتابه ( تاريخ الخلفاء ) : لعن الله قاتله وابن زياد ومعه يزيد .
  • انطوان بارا ( مسيحي ) : لو كان الحسين منا لنشرنا له في كل أرض راية ، ولأقمنا له في كل أرض منبر ، ولدعونا الناس إلى المسيحية بأسم الحسين .
  • المستشرق الأنجلينزي ادوار دبروان : وهل ثمة قلب لا يغشاه الحزن والألم حين يسمع حديثاً عن كربلاء ؟ وحتى غير المسلمين لا يسعهم انكار طهارة الروح التي وقعت هذه المعركة في ظلها .
  • الكاتب الأنجلينزي المعروف كارلز ديكنز : إن كان الأمام الحسين قد حارب من أجل أهداف دنيوية ، فأنني لا أدرك لماذا اصطحب معه النساء والصبية والأطفال ؟ إذن فالعقل يحكم أنه ضحى فقط لأجل الأسلام .
  • الهندوسي والرئيس السابق للمؤتمر الوطني الهندي , تاملاس توندون , : هذه التضحيات الكبرى من قبيل شهادة الأمام الحسين رفعت مستوى الفكر البشري ، وخليق بهذه الذكرى أن تبقى إلى الأبد ، وتذكر على الدوام .
  • الزعيم الهندي غاندي : لقد طالعت بدقة حياة الأمام الحسين ، شهيد الأسلام الكبير ، ودققت النظر في صفحات كربلاء واتضح لي أن الهند إذا ارادت إحراز النصر ، فلابد لها من اقتفاء سيرة الحسين .
  • الكاتبة الأنجليزية , فريا ستارك , : إن الكاتبة الأنجليزية القديرة فريا ستارك كانت قد كتبت فصلاً صغيراً عن عاشوراء في كتابها المعروف بإسم ( صور بغدادية ) صفحة ( 145 – 150) طبعة كيلدس يوكس 1947 م ، وقد يسمى كتابها ( مخططات بغداد ) ، وتبدأ هذا الفصل بقولها : إن الشيعة في جميع أنحاء العالم الأسلامي يحيون ذكرى الحسين ومقتله ويعلنون الحداد عليه في عشرة محرم الأولى كلها … وتأتي المس فريا ستارك على ذكر واقعة الطف ومصيبة أهل البيت وإحاطة الأعداء حول الأمام الحسين ومنعهم إياه عن موارد الماء فتقول :

 

على مسافة غير بعيدة من كربلاء جعجع الحسين الى جهة البادية ، وظل يتجول حتى نزل كربلاء وهناك نصب مخيمه .. بينما أحاط به أعداؤه ومنعوا موارد الماء عنه .

وما تزال تفصيلات تلك الوقائع واضحة جلية في أفكار الناس في يومنا هذا كما كانت قبل ( 1257 ) سنة وليس من الممكن لمن يزور هذه المدن المقدسة أن يستفيد كثيراً من زيارته ما لم يقف على شيء من هذه القصة التي لا أستطيع قراءتها قط من دون ان ينتابني البكاء.

خلاصة المحور الأول :

والكثير من المستشرقين تكلموا عن هذه التضحية التي قام بها سيد الشهداء وإن دلت على شيء فأنما تدل على إنها حركة شرعية وأنها أساس العدل في الحياة .

المحور الثاني : الأمام الحسين ثورة سياسية .

تلعب السياسة دورها الإيجابي في بناء الأمم والشعوب بشرط أنها تطبق طبق قوانين السماء ، ومن يستطيع أن يطبقها تطبيقاً عادلاً غير من هم عدل القرآن وهم الصفوة الطاهرة .

وقد رفع الأمام الحسين (ع) عبر هذه المظلومية عدة أهداف منها :

الهدف الأول : مظلوميته ومظلومية أهل بيته (ع) : جريمة بشعة ارتكبها نظام آل أمية بقتلهم الأمام وحرق خيامه وسبي نسائه .

الهدف الثاني : فضح النظام الأموي : بأن هذا النظام لا يستحق ان يحكم الناس لأنه انتهك الحرمات وسفك الدماء .

من خلال هذين الهدفين أتخذ العديد من الزعماء والمفكرين والسياسين من نهضة الأمام الحسين (ع) الطريق والقدوة لتحقيق النصر في قضاياها المصيرية ، وأخذوا يدعون بالأقتداء بالأمام لتحقيق العدل والمساواة .

ومن هؤلاء هم :

 

  • الألماني ماربين ( في حسن سياسة الأمام الحسين ) : أن الحسين كان يبث روح الثورة في المراكز الأسلامية المهمة كمكة والعراق واينما حل ، فأزدادت نفرة قلوب المسلمين التى شكلت مقدمة الثورة على بني أمية ، كما قال ماربين : الحسين بمبلغ علمه وحسن سيرته بذل كمال جهده في إفشاء ظلم بني أمية وإظهار عداوتهم لبني هاشم .
  • الألماني ماربين ( في كتابه السياسة الأسلامية ) : إن الحسين مع ما كانت له من محبة في قلوب المسلمين كان بإمكانه تجهيز جيش جرار لمقاتلة يزيد لكنه قصد من استشهاده الأنفراد والمظلومية وفضح ظلم بني أمية وإظهار عداوتهم لآل النبي .

 

وهذا دليل حسن سياسة الأمام الحسين والأبعاد الطويلة الأمد لهذا النهضة .

كذلك اشار ماربين : يريد طلب الحسين (ع) من اولاده وأخوانه وبني أخوته وبني أعمامه وخواص أصحابه الأنصراف وتركه وحيداً إلى رغبته في فضح ( حسب تعبير الكاتب ) بني أمية بقتل هؤلاء المعروفين بين المسلمين ( حسب مدعى الكاتب ) بجلالة القدر وعظم المنزلة ، مما سيجعل من قتلهم معه مصيبة عظيمة وواقعة خطيرة وفي هذا دلالة على حسن سياسته وقوة قلبه وتضحية نفسه .

 

  • الكاتب انطوان بارا ( في كتابه الحسين في الفكر المسيحي ) : إن ثورة الحسين كانت أول ثورة سجلت في تاريخ الأسلام ، وفي تاريخ الأديان السماوية الأخرى ، ما كان منها على مستوى المبادئ أو القيم العقائدية .
  • المستشرق الألماني كارل بروكلمان : الحق أن موتة الشهداء التي ماتها الحسين قد عجلت في التطور الديني لحزب علي ، وجعلت من ضريح الحسين في كربلاء أقدس محجة .

 

خلاصة المحور الثاني :

نجد أن هذه الثورة هي عين السياسة الصحيحة التي لابد أن ينتهجها كل مصلح يريد اصلاح مجتمعه .

المحور الثالث : الأمام الحسين مثال التضحية والخلود.

التضحية بالنفس اقصى غاية الجود ، وهذا ما نستلهمه من عطاء الطف وخيره ، فقد ضحى الأمام الحسين (ع) بنفسه وما يملك وقدم أرقى عنوان ومصداق للتضحية والإيثار.

والمستشرقون والمفكرون يرون أن هذه التضحية هي سبب الحياة الخالدة والشريان القوي لعيش أفضل .

ومن هؤلاء هم :

 

  • المستشرق الأنجليزي د.ج هوكار الذي يقول في تضحية الأمام الحسين : دلت صنوف الزوار التي ترحل إلى مشهد الحسين في كربلاء والعواطف التي ما تزال تؤججها في العاشر من محرم في العالم الأسلامي بأسره ، كل هذه المظاهر استمرت لتدل على أن الموت ينفع القديسين أكثر من أيام حياتهم مجتمعه .
  • المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون : الذي أشار إلى عمق التضحية في صولة الأمام الحسين ضد الظلم فيقول : لقد أخذ الحسين على عاتقه مصير الروح الأسلامية وقتل في سبيل تحقيق هذا الهدف فوق بطاح كربلاء .
  • المستشرق الأمريكي غوستاف غروينيام : يشير هذا المفكر إلى تأثير تضحية الأمام الحسين بنفسه على مر العصور دون أن تهدأ النفوس أو تنسى تلك التضحية حيث يقول : أن وقعة كربلاء ذات أهمية كونية ، فقد أثرت الصورة المحزنة لمقتل الحسين ذلك الرجل النبيل الشجاع في المسلمين تأثيراً لم تبلغه أية شخصية مسلمة أخرى .
  • المستشرق الألماني ماربين : في هذا الجانب الى الدرس الذي قدمه الأمام الحسين إلى العالم أجمع بقوله : قدم الحسين للعالم درساً في التضحية والفداء من خلال التضحية بأعز الناس لديه ومن خلال إثبات مظلوميته وأحقيته ، وأدخل الأسلام والمسلمين إلى سجل التاريخ ورفع صيتهما ، ولقد أثبت هذا الجندي الباسل في العالم الأسلامي لجميع البشر أن الظلم والجور لا دوام له ، وإن صرح الظلم مهما بدا راسخاً وهائلاً في الظاهر إلا أنه لا يعدو أن يكون أمام الحق والحقيقة إلا كريشة في مهب الريح .

 

الخاتمة

فعطاء الطف لا يقف عند حد فهي دروس وعبر في العدل والمساواة والتضحية والإيثار والجود بالنفس وما تملك كلها معاني والوان تجسدت في يوم واحد وساعة واحدة .

فسلام على الروح التي ضحت وبذلت الغالي والنفيس يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حيا.

تمت

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

يوم الأربعاء

الموافق 11 فبراير ( منتصف الليل )

الجمعية الفاطمية للتنمية والتطوير

الشيخ حسين البلادي

النجف الأشرف

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *