الفكر و الكلمة

الميرزا الشيخ حسين النعيمي
Latest posts by الميرزا الشيخ حسين النعيمي (see all)
اضغط هنا لتستمع للمقال

بسم الله الرحمن الرحيم

[responsivevoice_button voice=”Arabic Male” buttontext=”القارئ الآلي”]

* الحمدلله على ماعرفّنا من نفسه و ألهمنا من شكره ، و فتح لنا من أبواب العلم بربُوبيته ودلنا عليه من الإخلاص له في توحيده ،و جنّبنا من الإلحاد و الشك في أمره ،و وفهمنا في أحكام دينه ، و صَلَّى لله علَى أشرف خَلِيفَة وخاتم أنبيائه و صفوة بريّته محمد بن عبدلله وعلى إبن عمه علي بن أبي طالب عليه السَلام ، وأما بعد …

 

[ الفكر و الكلمة ]

 

في محكمِ كتابهَ المبين :

 

{ الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) } سورة الرحمن

 

{ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (٧٨) سورة النحل

 

الفكرة و الكلمة حقيقتان متلازمتان في حياة الأنسان وهما أبرز مظهر من مظاهر إنسانيتة ، و أعمق سبب من أسباب رقيّه و تطور حياته ، لأن الحياة الأنسانية بكل مافيها من مظاهر الحضارة و المدنية و الرقي الأجتماعي ماهي إلا نتيجة علمية للمعرفة الأنسانية ، ولقدرة الانسان على التعلم و انتزاع المعارف و العلوم واكتسابها ، ولولا وجود هذه الظاهرة الفكرية في حياة الأنسان لما شاهدنا للنشاطات الأنسانية التي تشكل صيغة الحياة المدنية و الحضارية ، كالصناعات و الاكتشافات العلوم و الفنون و الأدب و القوانين و العقائد و الأخلاق … أي أثر أو وجود .

 

وما هذه العلوم و المعارف التي أعطت الحياة الانسانية قيمتها وصيغتها إلا نتاج الفكر ووليدة الكلمة .

 

فما نشاهده من مظاهر الحضارة ونسيج العلاقات الانسانية التي تربط المجتمع الانساني وتشكل صيغته ، إن هي إلا وليدة أفكارنا ونتاج الكلمة التي نتخاطب بها و ننقل الأفكار و الأحاسيس و المشاعر عن طريقها فالكلمة ( أداة الافصاح و التعبير عن الفكرة ،، ووعاء المعنىٰ الكامن في نفس الأنسان…. ) ولولا الكلمة لنا استطاع الأنسان أن يتافهم مع الأخرين ، أو يُكوَّن حياته الاجتماعية التي استطاع أن يبني كيانها الشامخ المتطور .

 

فالفكرة و الكلمة إذن هما قاعدة البناء الحضاري …. وهما ركيزة الحياة الاجتماعية ، لذا كان اهتمام الاسلام بالكلمة بالغ الأهمية بأعتبارها الأداة المعبرة عن الفكر الانساني ، و الرسول ناطق بلسانهِ ، اذ ليست الافكار و المفاهيم إلا عالما من الصور التي ينتجها التفكير ،وينتزعها الفكر من العالم المحيط بالإنسان .

 

وهذا العالم الصامت ( الأفكار ) يعيش في جزيرة مقطوعة الاتصال و الوجود عن بقية الناس ، فهو لايستطيع الخروج من محيطه ، أو الاعلان عن وجودهِ ، إن لم تمتدَ بينَ الانسان وبين الأخرين من أبناءِ جنسه جسور الكلمات ، ومعابر الحروف التي تعبر عليها الأفكار و التصورات التي يحملها في فكره ونفسه لتصل إلىٰ الذين يُراد إيصال الفكر و المراد إليهم .

 

 

ولقد وصف القرآن الكريم هذه الحقائق وعبر عنها أدق تعبير حيّن سمَّىٰ النطق بالكلمة بياناً ، وحين جعل البيانَ مرتبطاً بالتعلم وبالخَلق و الأبداع بقوله :

 

الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) – سورة الرحمن –

 

فدقةُ الإستعمال القرآني تتضح في تسمية القرآن الحكيم للنطق بياناً ، لأن البيان هو الكشف و الأعلان و التعبير عن المحترمٰ و المضمون الذي يحمله الانسان في نفسه وفكره.

 

ومثلما كان القرآن دقيقاً وبليغاً في وصفِ للنطق و القدرة الكلامية المعبرة ، وتسميتها بالبيان ، كان دقيقاً أيضاً حين تحدث عن كيفية اكتساب العلم وحصول المعرفة لدىٰ الانسان ، فربط بين الفكر وبين سماع الكلمة ، أداة التعبير و التوصيل الفكري فقال :

 

{ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}

 

وهكذا يكون الفكر والكلمة وليدتا (الفؤاد ، السمع ، البصر ، البيان ) يكونان في نظر القرآن ومفهومه العنصرين الأساسين في بناء الحياة الانسانية وتشكيلها الحضاري و الاجتماعس .

 

لذلك خاطب الله سبحانه الانسان بالكلمة ، وحاور الفكر و العقل الانساني بأدق منطق وأرصن برهان .

 

 

وهاتان الأداتان البنائينان – الفكر و الكلمة – كغيرها من الأدوات و الوسائل الانسانية ، قابلتان للاستعمال و التوجيه الخير و البنَّاء ، كما انهما خاضعتان لأمكان الانحراف و الهدم و التخريب … لذلك حرص الاسلام كل الحرص على صيانة الفكر و الكلمة و إخضاعهما للالتزام و الانضباط ، وحفظاً على سيرة الحياة ، وحماية لأهداف الانسان الخيرة فيها .

 

 

 

 

بقلم : الميرزا حُسَيْن الْنُعَيّمي |

٣ رمضان الكريم ١٤٣٨ هـ

٢٩ مايو ٢٠١٧ م

تعليقان (2) على “الفكر و الكلمة”

اترك رداً على يوسف علي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *